أبي منصور الماتريدي
321
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
حقيقة يباح في حال إضرار عند خوف الهلاك وذهاب الدين ، فيجوز أن يكون قوم أسروا الإيمان في أنفسهم وكتموه ، ويظهرون الموافقة لهم في الظاهر ؛ إشفاقا على دينهم ، وخوفا على أنفسهم ، فيباح لهم ذلك ؛ لما ذكرنا . فلما أن جعل الله الهجرة ، وجعل للمؤمنين مأوى وأنصارا يلجئون ويأوون إليهم - لم يعذروا في إظهار الموافقة لهم ، وإن كانوا في السر ليسوا على دينهم ؛ لما ذكرنا . فهذا يدل على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه في غير اضطرار يصير كافرا « 1 » ؛ على ما جعل هؤلاء أولياء الكفرة حقيقة ظلمة مثلهم إذا « 2 » تولوهم في الظاهر ، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك ، وهذا أشبه ، وهو ما قال - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ . . . الآية [ النساء : 97 ] ، لم يعذروا في تركهم الهجرة ؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا أظهروا الموافقة لهم بعد ما جعل لهم المأوى والأنصار ، صاروا هم - في الحقيقة - كذلك ، نهانا عن موالاة الكفرة جملة بقوله : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ [ آل عمران : 28 ] وقال « 3 » : لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [ المائدة : 51 ] ، وقال : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] هذا النهي لنا في جملة الكافرين ، ثم نهانا عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ؛ كقوله : لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [ المائدة : 51 ] ، ثم نهانا أن نوالي المتصلين من الآباء والأمهات وغيرهم من القرابات ؛ لما تقع « 4 » الشبه في موالاة المختصين بهم ، وفخص النهي فيه ، وكذلك في تخصيص اليهود والنصارى ؛ لما بيننا وبينهم موافقة في التوحيد والكتب ، فخص النهي في ذلك . ثم الولاية التي نهانا عنها تخرج على وجوه :
--> ( 1 ) وصار مرتدّا وهناك أفعال رخص الشارع في فعلها عند الضرورة ، إلا أنه لو صبر المكره على تحمل الأذى ، ولم يفعلها حتى مات ، كان مثابا من الله تعالى ، وذلك كالكفر بالله تعالى أو الاستخفاف بالدين ، فإذا أكره الإنسان على الإتيان بشيء من ذلك جاز له الفعل متى كان قلبه مطمئنا بالإيمان ؛ لقول الله عزّ وجل : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] . ومن السنة ما جاء بإسناد صحيح عند الحاكم والبيهقي وغيرهما عن محمد بن عمار عن أبيه : « أخذ المشركون عمار بن ياسر ، فلم يتركوه حتى سب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذكر آلهتهم بخير ، فلما أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ما وراءك ؟ قال : شر ، يا رسول الله ، ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير ، قال صلى اللّه عليه وسلم : فكيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنا بالإيمان ، قال صلى اللّه عليه وسلم : فإن عادوا فعد » . ينظر : جواهر الإكليل ( 2 / 3 ) ، والمهذب ( 2 / 79 ) ، والقليوبي على المنهاج ( 3 / 359 ) ، والتقرير والتجبير ( 2 / 147 ) ، وفتح القدير ( 7 / 297 ) ، والمبسوط ( 24 / 139 ) . ( 2 ) في أ : إذ . ( 3 ) في أ : كقوله . ( 4 ) في ب : لما يقع .